أثر التطبيق الخاطئ للرقمنة الضريبية ودو مصلحة الضرائب المصرية و الوزرات والهيئات الاخرى فى الحد من الاقتصاد الغير الرسمى فى مصر
![]() |
| أثر التطبيق الخاطئ للرقمنة الضريبية |
يعتبر الاقتصاد الغير الرسمى من اكبر التحديات التى تواجه الاقتصاد المصري، حيث يؤدي إلى فقدان مليارات الجنيهات من موارد الدولة، وخلق منافسة غير عادلة لفئات( الملتزمين صريبيا) الاقتصاد الرسمي، وزعزعة كفاءة السياسات الضريبية والتنموية على حد سواء. تُعد القوانين الضريبية أداة رئيسية لضم هذا القطاع للمنظومة الرسمية، إذ تعمل على تقليل التهرب الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية، مما يعزز الإيرادات العامة ويسهم في تحقيق العدالة الاقتصادية والتنمية المستدامة.
مفهوم الاقتصاد غير الرسمي في مصر
-الاقتصاد غير الرسمي هو كل الأنشطة الاقتصادية التي تتم خارج نطاق التنظيم القانوني، ولا تخضع للرقابة الرسمية أو التسجيل الضريبي، مما يؤدي إلى انعدام الشفافية والهروب الضريبي. وفق تقديرات متعددة، يشكل القطاع غير الرسمي نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي في مصر:
- تتفاوت التقديرات الرسمية وغير الرسمية لحجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر (أو ما يُعرف بالاقتصاد الموازي)، حيث يصعب حصره بدقة نظراً لطبيعة هذه الانشطة واماكن وجودها إلا أن أحدث التقديرات تشير إلى الأرقام التالية:
التقديرات بالقيمة النقدية:
- تشير تقديرات خبراء اقتصاديين في مطلع عام 2025 إلى أن حجم الاقتصاد غير الرسمي قد يصل إلى 14 تريليون جنيه مصري, بينما كانت تقديرات سابقة لوزارة التخطيط (في نهاية 2022) كانت عند مستوى 2.6 تريليون جنيه.
النسبة من الاقتصاد الرسمي:
يُقدر حجم هذا القطاع بما يعادل 55% الى 60%من حجم الاقتصاد الرسمي في البلاد.
عدد المنشآت والعمالة:
يوجد اكثر من مليونا منشأة تعمل في القطاع غير الرسمي، وهو ما يمثل نحو 50.7% من إجمالي المنشآت الاقتصادية في مصر.
تتركز أغلب هذه الأنشطة في قطاعات الزراعة، والبناء، وتجارة التجزئة, وصناعات وورش "تمثل منشأت صغيرة الحجم"مشروعات متناهية الصغر,,أنشطة حرفية"
أثر الاقتصاد غير الرسمي على الإيرادات الضريبية والأثر الضريبي:
تُشير الدراسات إلى أن دمج هذا القطاع قد يدر عوائد ضريبيا تقدر 1.4 تريليون جنيه سنوياً للخزانة العامة.
كما تشير دراسات أخرى إلى أن تراجع الإيرادات الضريبية مقارنة بحجم الناتج المحلي يعود جزئيًا إلى هذا الانتشار الواسع للأنشطة غير الرسمية.
وجود قطاع غير رسمي كبير يؤدي إلى:
- فقدان موارد ضريبية ضخمة: التهرب من دفع الضريبة يعني أن الدولة تفقد حصيلة كان من الممكن أن تساهم في نفقات الصحة، التعليم، والبنية التحتية.
- تزايد عجز الموازنة العامة: دراسات تظهر أن اقتصاد الظل يزيد من عجز الميزانية، لأنه يقلل إيرادات الدولة ويزيد الحاجة إلى الاقتراض.
- على سبيل المثال، أظهرت بعض التحليلات أن الاقتصاد غير الرسمي، بما في ذلك التهرب الضريبي، قد يساهم في خسارة موارد تقارب عشرات المليارات من الجنيهات سنويًا .
وفق هذا الإطار، ينشأ الاقتصاد غير الرسمي عندما:
تكون تكلفة الامتثال للقوانين والرقمنة الضريبية مرتفعة
تكون القواعد والقوانين غير واضحة أو متغيرة فى مدى زمنى قصير
غياب عنصر الثقة بين الدولة والممول
ارتفاع درجة التعقيد البيروقراطي
وهنا يظهر مفهوم The discrepancy between the institutional framework and the actual economic reality "أي عدم التوافق بين الإطار المؤسسي والواقع الاقتصادي الفعلي"
تكون القواعد والقوانين غير واضحة أو متغيرة فى مدى زمنى قصير
غياب عنصر الثقة بين الدولة والممول
ارتفاع درجة التعقيد البيروقراطي
وهنا يظهر مفهوم The discrepancy between the institutional framework and the actual economic reality "أي عدم التوافق بين الإطار المؤسسي والواقع الاقتصادي الفعلي"
كيف يؤدي التطبيق الخاطئ للرقمنة إلى نتائج عكسية؟
وهل الرقمنة يمكن ان تكون أداة دمج أم قد تتحول – إذا أسيء تطبيقها – إلى أداة تعميق للاقتصاد غير الرسمي؟
-ان التحول الرقمي في الإدارة الضريبية (مثل الفاتورة الإلكترونية، الإيصال الإلكتروني، منظومة الإجراءات المميكنة) يهدف إلى:
توسيع القاعدة الضريبية ,تقليل التهرب,زيادة الشفافية,خفض التكاليف الإدارية
لكن في الأدبيات الاقتصادية، هناك مفهوم مهم يسمى: Regulatory Overload Effect"أي أن الإفراط في التنظيم أو التطبيق غير المتدرج قد يدفع بعض الفاعلين الاقتصاديين إلى الخروج من المنظومة الرسمية بدلًا من الانضمام إليها"
الفجوة الرقمية (Digital Divide)
جزء كبير من الاقتصاد غير الرسمي في مصر يتمثل في:مشروعات متناهية الصغر,تجار تجزئة صغار,أنشطة حرفية,باعة في مناطق غير مخدومة تكنولوجيًا ,عند فرض أنظمة إلكترونية معقدة دون:تدريب كافٍ,دعم فني,بنية تحتية رقمية قوية هذا يؤدى الى :
- انسحاب طوعي من التسجيل الرسمي,أو تجنب التسجيل من الأساس بدلاً من الاندماج.
- ا رتفاع تكلفة الامتثال (Compliance Cost)
إذا كانت الرقمنة مصحوبة بـ: متطلبات تقنية مرتفعة ,أجهزة خاصة ,برامج مدفوعة , تعقيدات إجرائية , اى تكلفة الالتزام أعلى من تكلفة البقاء خارج المنظومة ,وهنا تتحول الرقمنة من أداة دمج إلى أداة إقصاء.
الخوف من المراقبة الشاملة:
في بعض الحالات، الرقمنة الكاملة قد تخلق تصورًا لدى المنتسبين للقطاع الغير الرسمى بأن:
-كل معاملة مراقبة
-لا مجال للمرونة
-لا يوجد تدرج كافى في التطبيق
هذا قد يؤدي إلى ما يسميه الاقتصاديون: Defensive Informality"أي الانتقال المتعمد إلى النشاط غير الرسمي لتجنب الانكشاف الكامل"
التجربة المصرية – بين التقدم والتحديات
طبقت مصلحة الضرائب المصرية : ميكنة الإقرارات الضريبية, منظومة الفاتورة الإلكترونية,منظومة الإيصال الإلكتروني , بالاضافة الى ربط قواعد البيانات مما ادى الى :
- زيادة الشفافية
- تحسين الحصيلة الضريبية الى حد ما
- كشف حالات تهرب كبيرة
فى المقابل زادت حالات التجنب الضريبى وانتقال ممولين كثر من الاقتصاد الرسمى الى الاقتصاد الغير رسمى
- وزيادة حالات التحايل على سداد المستحقات الضريبية من خلال التعاون غير الاخلاقى بين بعض العاملين بالمنظومة الضريبة ومكاتب المحاسبة
لكن في المقابل ايضا ظهرت تحديات اخرى تتعلق بـ:
-جاهزية المشروعات الصغيرة للرقمنة الضريبية
-ضعف الثقافة الضريبية عند قطاع عريض من افراد المجتمع : وبالتالى الحاجة إلى تدريب أوسع
- تفاوت القدرة والبنية الرقمية بين المحافظات
مقومات نجاح الرقمنة الضريبية
الأدبيات المقارنة تشير إلى أن الرقمنة تنجح في الحد من الاقتصاد غير الرسمي إذا توافرت ثلاثة شروط:
-التدرج المناسب في التطبيق: مع الوضع فى الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومدى توافر البيئة التكنولوجية فى كامل المناطق الجغرافية للدولة
-تبسيط الإجراءات ومراعاة: الحد من تكلفتها والبعد الثقافى للمجتمع وخاصة الجهل فى استخدام التكنولوجية الحديثة
-تقديم حوافز مقابل الامتثال: بالرغم من الإصلاحات الضريبية والتشريعات المحفّزة التى تنفذها السلطات المصرية من تعديلات قانونية وإجراءات ضريبية تهدف لتقليل الأعباء على المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتحفيزها على الانضمام للمنظومة الرسمية, الا ان هناك لا تزال فجوة كبيرة بين النتائج والاهداف المطلوب تحقيقها .
في الحالة المصرية: الرقمنة الضريبية ليست غاية في ذاتها، بل أداة من ضمن اهدافها الحد من الاقتصاد غير الرسمي نجاحها في في مصر يعتمد على:
- عدالة التصميم التشريعي
- مراعاة طبيعة المشروعات الصغيرة واماكن نشاطها
- تقليل تكلفة الامتثال
- بناء الثقة بين الممول والإدارة الضريبية
- وبغير ذلك، قد تتحول من وسيلة إدماج إلى عامل طرد غير مباشر للأنشطة الاقتصادية خارج المنظومة الرسمية.
وبالتالى إذا طُبقت الرقمنة الضريبية دون:مواءمة مع طبيعة المشروعات الصغيرة ,تبسيط تشريعي موازٍ,بناء ثقافة امتثال تدريجية,فإنها قد تزيد "تكلفة المعاملة" (Transaction Cost)
كيف يمكن ان تساهم الوزرات والهيئات الأخرى. بجانب مصلحة الضرائب المصرية فى الحد من الاقتصاد الغير الرسمى فى مصر؟
مشكلة الاقتصاد غير الرسمي في مصر ليست مشكلة ضريبية فقط، بل هي مشكلة مؤسسية متعددة الجهات. لذلك فإن نجاح جهود Egyptian Tax Authority في دمج الاقتصاد غير الرسمي يتوقف بدرجة كبيرة على تعاون الوزارات والهيئات الأخرى.
يمكن تناول ذلك في أربعة محاور رئيسية:
أولًا: دور وزارة التجارة والصناعة:
هذه الوزارة تمتلك أدوات مباشرة لتنظيم النشاط الاقتصاد ,أهم هذه الادوات :
1. تبسيط إجراءات الترخيص ,كثير من المشروعات الصغيرة تعمل خارج الإطار الرسمي بسبب تعقيد الإجراءات وتعدد الجهات.
وبالتالى : خفض وتقليص الموافقات المطلوبة , إصدار التراخيص إلكترونيًا , تخفيض الرسوم المطلوبة , يمكن ان يؤدى ذلك الى خفض تكلفة الانتقال للاقتصاد الرسمي ستنخفض.
2. دمج المشروعات الصغيرة في سلاسل الإمداد
إجبار الشركات الكبرى والمصانع على التعامل مع موردين مسجلين رسميًا يشجع الأنشطة غير الرسمية على التسجيل.
3. تطوير المناطق الصناعية
إنشاء مناطق مخصصة للصناعات الصغيرة والحرفية بأسعار إيجار منخفضة يتيح نقل الأنشطة غير الرسمية من الشوارع والمنازل إلى إطار رسمي.
ثانيا دور وزارة التنمية المحلية:
المحليات هي الجهة الأقرب للأنشطة غير الرسمية ومن اهم ادوارها :
1. حصر الأنشطة غير الرسمية
الاقتصاد غير الرسمي غالبًا يتمركز في:الأسواق الشعبية ,الورش الصغيرة ,الباعة الجائلين:يمكن للمحليات إنشاء قواعد بيانات دقيقة لهذه الأنشطة.
2. إنشاء أسواق رسمية :تنظيم الباعة الجائلين داخل أسواق رسمية يسهل تسجيلهم لاحقًا ضريبيًا.
3. إصدار تراخيص محلية مبسطة:تسهيل الحصول على تراخيص الأنشطة التجارية الصغيرة.
ثالثا: دور وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات:
التحول الرقمي عنصر أساسي في دمج الاقتصاد غير الرسمي:الآليات المتاحة هى :
1. نشر المدفوعات الرقمية
كلما زادت المدفوعات الإلكترونية تقلصت مساحة المعاملات النقدية غير المسجلة.
2. ربط قواعد البيانات الحكومية مثل الربط بين:الضرائب ,السجل التجاري ,التأمينات ,التراخيص المحلية :هذا الربط يسمح بتحديد الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة.
3. دعم منصات التجارة الإلكترونية
إتاحة منصات رسمية للمشروعات الصغيرة يساهم في دمجها اقتصاديًا.
رابعا: دور وزارة التضامن الاجتماعي:
الكثير من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي لا يسجلون نشاطهم خوفًا من فقدان الدعم الاجتماعي.
الحل:لذا الحل هو :
تصميم برامج حماية اجتماعية للعاملين المستقلين,إدماجهم في نظم التأمين الاجتماعي : وهذا يعزز الحافز للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.
خامسا: دور الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء:
هذا الجهاز يوفر البيانات اللازمة لتقدير حجم الاقتصاد غير الرسمي:لذلك فإن تحسين القياس الإحصائي يساعد على تصميم سياسات أكثر فعالية.
الخلاصة:
الحد من الاقتصاد غير الرسمي يتطلب مشاركة حكومية شاملة ,وبالتالي فإن نجاح السياسة الضريبية يعتمد على تكاملها مع السياسات الاقتصادية و الصناعية والتنظيمية والاجتماعية.

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليق